المقريزي
204
إمتاع الأسماع
عائشة أما تستحي المرأة تهب نفسها للرجل ؟ فلما نزلت : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) قالت يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ! وهذا يدل على أن معنى قوله تعالى : ( ترجي من تشاء منهن ) أي تؤخر من تشاء من الواهبات فلا تقبل هبتها ( وتؤوي إليك من تشاء ) أي بقبول هبتها وقد قيل خلاف ذلك . وعند القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي أنه صلى الله عليه وسلم إنما خص بإباحة الموهوبة له خاصة وهو أن يتزوجها بلفظ الهبة وإباحة النكاح بغير مهر ولا يستقر عليه إلا بالدخول وإن هذا مما خص به دون الأنبياء من قبله ودون أمته ، تشريفا له وتعظيما لشأنه صلى الله عليه وسلم . الثالثة إذا رغب صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة فإن كانت خلية فعليها الإجابة على الصحيح ويحرم على غيره وخطبتها وإن كانت ذات زوج وجب على زوجها طلاقها لينكحها على الصحيح لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ( 1 ) كذلك استدل بها الماوردي واستدل الغزالي في ( الوسيط ) لوجوب التطليق بقصة زيد وهي مشهورة . خرج البخاري ( 2 ) في كتاب التوحيد باب وكان عرشه على الماء من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله تبارك
--> ( 1 ) الأنفال : 24 . ( 2 ) ( فتح الباري ) : 13 / 497 كتاب التوحيد باب ( 22 ) ( وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم ) حديث رقم ( 7420 ) قوله : ( قال أنس لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه ) ظاهره أنه موصول بالسند المذكور لكن أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة والإسماعيلي عنه نزلت : ( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) في شأن زينب بنت جحش وكان زيد يشكو وهم بطلاقها يستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أمسك عليك زوجك واتق الله وهذا القدر هو المذكور في آخر الحديث هنا بلفظ وعن ثابت وتخفي في نفسك الخ ، ويستفاد منه أنه موصول بالسند المذكور وليس بمعلق وأما قوله لو كان كاتما الخ فلم أره في غير هذا الموضع موصولا عن أنس وذكر ابن التين عن الداودي أنه نسب قوله لو كان كاتما لكتم قصة زينب إلى عائشة قال وعن غيرها لكتم عبس وتولى قلت : قد ذكرت في تفسير سورة الأحزاب حديث عائشة قالت : لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي الحديث وأنه أخرجه مسلم والترمذي ثم وجدته في مسند الفردوس من وجه آخر عن عائشة من لفظه صلى الله عليه وسلم لو كنت كاتما شيئا من الوحي واقتصر عياض في الشفاء على نسبتها إلى عائشة والحسن البصري وأغفل حديث أنس هذا وهو عند البخاري . قوله : ( قال فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قولها وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سماوات ) أخرجه الإسماعيلي من طريق حازم بن الفضل عن حماد بهذا السند بلفظ نزلت في زينب جحش ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تقول إن الله أنكحني في السماء وزاد الإسماعيلي من طريق الفريابي وأبي قتيبة عن عيسى أنتن أنكحكن آباؤكن وهذا الإطلاق محمول على البعض وإلا فالمحقق أن التي زوجها أبوها منهن عائشة وحفصة فقط وفي سودة وزينب بنت خزيمة وجويرية احتمال وأما أم سلمة وأم حبيبة وصفية وميمونة فلم يزوج واحدة منهن أبوها ووقع عند ابن سعد من وجه آخر عن أنس بلفظ قالت زينب يا رسول الله إني لست كأحد من نسائك ليست منهم امرأة إلا زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري وسنده ضعيف ومن وجه آخر موصول عن أم سلمة قالت زينب ما أنا كأحد من نساء النبي إنهن زوجن بالمهور زوجهن الأولياء وأنا زوجني الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله في الكتاب وفي مرسل الشعبي قالت زينب يا رسول الله أنا أعظم نسائك عليك حقا أنا خيرهن منكحا وأكرمهن سفيرا وأقربهن رحما فزوجنيك الرحمن من فوق عرشه وكان جبريل هو السفير بذلك وأنا ابنة عمتك وليس لك من نسائكم قريبة غيري أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في ( كتاب الحجة والتبيان ) قوله : ( من فوق سبع سماوات ) في رواية عيسى بن طهمان عن أنس المذكورة عقب هذا " وكانت تقول إن الله عز وجل أنكحني في السماء " وسنده هذا آخر الثلاثيات التي ذكرت في البخاري وتقدم لعيسى بن طهمان حديث آخر تكلم فيه ابن حبان بكلام لم يقبلوه منه وقوله في هذه الرواية وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما يعني في وليمتها وقد تقدم بيانه واضحا في تفسير سورة الأحزاب . قال الكرماني قوله : في السماء " ظاهره غير مراد إذ الله منزه عن الحلول في المكان لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها إليه إشارة إلى علو الذات والصفات ، وبنحو هذا أجاب غيره عن الألفاظ الدارجة من الفوقية ونحوها قال الراغب فوق " يستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة والقهر . فالأولى باعتبار العلو ويقابله تحت نحو : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاب من فوقكم أو من تحت أرجلكم ) . والثاني : باعتبار الصعود والانحدار نحو : ( إذا جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ) . والثالث : في العدد نحو ( فإن كن نساء فوق اثنتين ) . والرابع في الكبر والصغر كقوله ( بعوضة فما فوقها ) . والخامس يقع تارة باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو : ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات ) أو الأخروية نحو ( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) . والسادس نحو قوله : ( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( يخافون ربهم من فوقهم ) انتهى ملخصا .